abu-saqr
04-22-2007, 05:56 PM
يبدو لي والله أعلم، أن ذهنية التملّق هنا طورت الكثير من مهارات النشاط، وتفتقت قدرات الممارسين له عن أساليب جديدة تمكنهم من ممارسة التملّق أمام خلق الله وفي العلن ودونما خسائر لا سمح الله في حساباتهم وعلاقاتهم مع الآخرين.. بدون شك، إننا في زمن الاتصالات التفاعلية التي أصبح ممكنا معها استنساخ التجارب البشرية والقيم الاجتماعية من الشرق للغرب ومن الشمال للجنوب وبالعكس.. وهذه نعمة ونقمة في آن، بحسب الأثر الفردي والمجتمعي الذي تخلفه هنا أو هناك.. وعلى أية حال، ما يهمني هنا ليس الحديث عن ميم أو صاد من خلق الله في هذا الجانب، وإنما مكافحة هذا الوباء وغيره من الأوبئة السلوكية في المجتمع والتي تتسرب لداخل التنظيمات المؤسسية وتصبح مع الوقت بمثابة قانون غير مكتوب للأداء الوظيفي المطلوب في الحياة العامة.. أعرف أنني لا آتي بجديد هنا عندما ألقي باللوم على واقعنا الاجتماعي في هذا الظهور الصارخ لسلوكيات معظمنا يصرخ بطول صوته مدينا لها في العلن ولكن دونما أية مبادرة ذاتية للتصدي لأمراض كهذه.. معظمنا يعايش يوميا العشرات من هذه النماذج السلوكية القميئة ولا يحرك ساكنا تجاهها للأسف.. بمعنى أننا تحت بند اللياقة وبند المجاملة نمارس الدروشة معها مرات والتطنيش في أخرى متخلّين عن أبسط مسؤولياتنا في الضبط الاجتماعي للأسف.. وفيما لو قدر لك أن تحضر اجتماعات مع الإدارة العليا من وقت لآخر، أو فيما إذا أنعم عليك المولى بعضوية لجنة من اللجان في الجهة التي تعمل فيها أو خارجها، ستكتشف مع توالي الاجتماعات لا محالة عضوا أو ربما أكثر يتسم بالهدوء المتناهي وتغلب عليه السكينة وتكسو محياه ابتسامات متموجة تضفي على الجلسة جوا حالما ومتموجا إلى حد بعيد وحسب الرهانات والمراهن عليه في المجموعة.. ومع الوقت، ستجد نفسك أمام شخص أنيق في مساجلاته حان في عباراته يطفح بخط تفكير مختلف 180 درجة مع منطق ورؤية لم تخطر على بال الموجودين للدرجة التي يصعب عليك فهم أو تفسير ما يحدث من حولك للوهلة الأولى.. ولكن، ومع الوقت وتوالي الاحتكاكات، ستفهم من خلال ما يكتب أو يقال أن لدى الطرف المثير هذا حسابات براغماتية مع الرجل الأول في التنظيم أو في اللجنة المعنية.. بطبيعة الحال، قد لا يسعفك الحظ ولا تخدمك الظروف في حل عقدة الحبكة الدرامية أو الهلامية إن شئت لمجمل ما كان يحدث.. فالمسألة تعتمد على حجم ونوع رهانات المتملّق والدور والتوقعات من المستهدف (المتملق إن جاز القول) وفوق هذا وذاك احترافية الممارس للنشاط وضلوعه في المراوغة اللسانية وقدراته التخريجيه كلما اقتضت الظروف وأملت المواقف.. بطبيعة الحال، يجب ألاَّ يغيب عن الصورة هنا الطرف المستهدف في عمليات التملّق بالمجمل.. وقد نخطئ كثيرا هنا إن نحن أسقطنا الطرف المتلقي لأكوام المشاعر والأحاسيس، والباحث المكلوم عن شتى فنون الدغدغة الوجدانية والمساج الذهني في يومياته ولياليه.. فالمسؤول الذي يروج عنه أو يعرف باستمرائه لأساليب المداهنة وعُجبه بذاته المفخمة كلما طرقت أسماعه لغة التفخيم أولاً مست عيناه أسطر الثناء والمديح، لا يصبح هدفا لشطار التزلف ومحترفي التزييف من حوله وحسب، وإنما فرصة مشرعة لكل مبتدئ وطامح في بلوغ المعالي ونيل أرفع الرتب.. في نظري، كلا الطرفين سبب ونتيجة لوجود الآخر.. وبدون أدنى شك، المناخ المتخم بالمحسوبيات وإساءة استعمال السلطة وغياب الرقابة وميوعة النظم والمعايير التنظيمية مسؤول بشكل عريض عن سلوكيات كهذه قد يتصور البعض أن أضرارها محدودة ومؤقتة وقد لا تتجاوز فرداً أو مجموعة بسيطة في جهاز أو قطاع بعينه.. ونخطئ أكثر من مرة هنا إذا لم ندرج في الحسبان خطورة ممارسات كهذه ليس على نمو وإنتاج القطاع الذي تتواجد فيه وحسب، وإنما في استشرائها وتمدّدها مع الوقت ليترتّب عليها أضرار بالغة بشريا واقتصاديا في قطاعات مماثلة أو موازية في المجتمع الوظيفي.. فتصحيح مسارات الأداء والإنتاج في العديد من قطاعاتنا العامة من الأهمية بمكان ألاَّ يتوقف عند علاج العلل المالية والإدارية الواضحة والمكشوفة في تلك القطاعات، بل في التحري عن الأعراف والقيم التي تشكل الثقافة الداخلية للتنظيم، وتسهم بدرجة أو أخرى في توليد مظاهر وسلوكيات مرضية من هذا النوع، وتكرس صوراً نمطية عن طبيعة العمل ومعايير الأداء فيه.. نحن نفتقر أصلا لمعيارية تقييم الأداء في معظم أجهزتنا الحكومية.. وليس في عرفنا الوظيفي إجراء قوائم جرد سنوية ليس بطبيعة الحال لعهد الأجهزة والممتلكات والوظائف الشاغرة والمشغولة، وإنما المنجز من الأنشطة والمهام المموزنة للقطاع، وتحديد مستويات القصور والكفاءة في الأداء للقطاع ودور السياسات الإدارية وأساليب العمل في ذلك سلبا وإيجابا.. مكافحة أمراض من هذا النوع في الوظيفة العامة لا يتأتى إلا بوجود المراجع التنظيمي الذي يدقق في دورة العمل اليومية ورشد سياسات الإدارة العليا وفيما إذا كانت مبررة وظيفيا وتخدم مصلحة العمل سواء تعلق الأمر بالكوادر البشرية أو الموارد الأخرى.. ومن المهم هنا، أن تجد ملاحظات المراجع الوظيفي طريقها للتنفيذ خاصة عندما يكون الأداء العام دون المستوى وللإدارة العليا دور فيه..
بالمجمل، معظم قطاعاتنا الوظيفية العامة سواء الخدمية أو التي تمس احتياجات ومصالح الجمهور الحياتية قد لا تفتقر للنظم والإرشادات أو توصيفات المهام قدر افتقارها لمعايير التقييم الصارمة والرقابة التنظيمية السنوية وتطبيق ما تنص عليه تقارير المراجعة للأداء القيادي والعام للقطاعات.. بل إن غياب هذه المعايير لم يسهم فقط في تعثر خدمات وأداء بعض القطاعات وربما في تكريس أمراض البيروقراطية البغيضة فيها، وإنما في تسرب قيم وأعراف مجتمعية أو محليّة سلبية لداخلها لتصبح مع الوقت بمثابة المرجعيات غير المكتوبة والتي توجه الأداء ودورات العمل وسياسات القرار فيها.. وهذا ما يبرر سطوة قيم النخوة والعزوة على قياديين وتنفيذيين كبار في التأهيل والخبرة في أكثرية الأحيان.. في معظم حالات التملّق التي أحظى بشرف معايشتها، أجدني أتفهم - لا أقبل - ظروف المتملّق وأحواله عندما يكون ممن جار الزمان عليه أو غدا كاليتيم على مأدبة اللئيم، لكن لا أتفهم ولا أستوعب الفعل نفسه من مخلوق يسبق اسمه حرف حصل في الدنيا على أكثر مما يستحق ويبدو في غير حاجة لسفح ماء وجهه أمام الدنيا لينتزع ما لا يستحق.. وأتألم كثيرا عندما أجدني أمام مسؤول يتلذذ بتقريب النطيحة والمتردية وما أكل السبع فقط لأنه اعتاد على سماع سمفونيات العزف الرخيص.. صحيح أن المسألة هنا تعيدنا مرة أخرى لنظام تنشئة المواطن في مجتمعنا، كما أنه صحيح أن اجتثاث التملّق يعيدنا لأسلوب تربية المخلوق البشري في الأسرة وفي المدرسة وفي المسجد ووسائل الإعلام وكيف تصوّر الواقع الحياتي للناس.. ولكنها تعيدنا قبل هذا وذاك لمساحات النفوذ غير الطبيعية التي يتمتع بها أصحاب المناصب العليا ومن في حكمهم في التعيين والتطفيش لعبادالله في الوظيفة العامة.. وقد تكون بداية العلاج في تقييد صلاحيات التوظيف والترقية والإزاحة والإبدال المطلقة لقيادات وكبار التنفيذيين الحكوميين في الوظيفة العامة.. أو على أقل تقدير الحد من النفوذ الشخصي واستغلال المنصب الوظيفي بمزيد من الضوابط والتقنين داخل الجهاز وخارجه على كل ما يتعلّق بالمصير الوظيفي للناس.. بمعنى أنه لابد من أن تعمل على تجفيف المنابع - بلغة الحرب على الإرهاب - التي توفر مناخا صالحا لمشاريع التملّق عمليا.. ولتنسف من الرؤوس المريضة وربما المبتلاة بجنون العظمة ممن تقصر بهم قدراتهم عن الوصول بالطرق الطبيعية والمشروعة.. وهذا جانب بالغ الأهمية في تحرير الوظيفة العامة من المحسوبيات والانتفاعات الشخصية.. وفي التضييق على عشاق ومعشوقي هذا النشاط البغيض على الأقل في مجال العمل الرسمي، الذي ظل مثبطا فاعلا للكثير من الكفاءات الوطنية الجادة في قطاعاتنا العامة، بل عاملا رئيسا أسهم على مدى سنوات في تسرب طوابير من المؤهلين والمتخصّصين الأكفاء ممن استثمرث البلد في تكوينهم مئات الملايين من الريالات بالتدريب والتأهيل داخل وخارج الدولة.. الأسوأ بطبيعة الحال هنا، هو في مناخ التيئيس الذي يغتال هو الآخر الأكثرية الكاثرة ممن يؤثرون السلامة بالبقاء في الوظيفة في انتظار انفراج الأحوال خاصة في زمن عزّت فيه الوظائف وشح فيه أصحاب المبادئ الحقيقيون في الحياة العامة.. صحيح أننا نحتاج لوقت لإنضاج وعي الناس بالحياة المؤسسية المنتجة وشروطها في المجتمع، وصحيح أننا نحتاج لإعلام لديه أجندة مسؤولة لتشكيل واقعنا، ولكن لابد من البدء بالسياسات والآليات التي تضمن فاعليتها وتحويلها لواقع تعيشه الناس في بيئات العمل. والله المستعان.
بالمجمل، معظم قطاعاتنا الوظيفية العامة سواء الخدمية أو التي تمس احتياجات ومصالح الجمهور الحياتية قد لا تفتقر للنظم والإرشادات أو توصيفات المهام قدر افتقارها لمعايير التقييم الصارمة والرقابة التنظيمية السنوية وتطبيق ما تنص عليه تقارير المراجعة للأداء القيادي والعام للقطاعات.. بل إن غياب هذه المعايير لم يسهم فقط في تعثر خدمات وأداء بعض القطاعات وربما في تكريس أمراض البيروقراطية البغيضة فيها، وإنما في تسرب قيم وأعراف مجتمعية أو محليّة سلبية لداخلها لتصبح مع الوقت بمثابة المرجعيات غير المكتوبة والتي توجه الأداء ودورات العمل وسياسات القرار فيها.. وهذا ما يبرر سطوة قيم النخوة والعزوة على قياديين وتنفيذيين كبار في التأهيل والخبرة في أكثرية الأحيان.. في معظم حالات التملّق التي أحظى بشرف معايشتها، أجدني أتفهم - لا أقبل - ظروف المتملّق وأحواله عندما يكون ممن جار الزمان عليه أو غدا كاليتيم على مأدبة اللئيم، لكن لا أتفهم ولا أستوعب الفعل نفسه من مخلوق يسبق اسمه حرف حصل في الدنيا على أكثر مما يستحق ويبدو في غير حاجة لسفح ماء وجهه أمام الدنيا لينتزع ما لا يستحق.. وأتألم كثيرا عندما أجدني أمام مسؤول يتلذذ بتقريب النطيحة والمتردية وما أكل السبع فقط لأنه اعتاد على سماع سمفونيات العزف الرخيص.. صحيح أن المسألة هنا تعيدنا مرة أخرى لنظام تنشئة المواطن في مجتمعنا، كما أنه صحيح أن اجتثاث التملّق يعيدنا لأسلوب تربية المخلوق البشري في الأسرة وفي المدرسة وفي المسجد ووسائل الإعلام وكيف تصوّر الواقع الحياتي للناس.. ولكنها تعيدنا قبل هذا وذاك لمساحات النفوذ غير الطبيعية التي يتمتع بها أصحاب المناصب العليا ومن في حكمهم في التعيين والتطفيش لعبادالله في الوظيفة العامة.. وقد تكون بداية العلاج في تقييد صلاحيات التوظيف والترقية والإزاحة والإبدال المطلقة لقيادات وكبار التنفيذيين الحكوميين في الوظيفة العامة.. أو على أقل تقدير الحد من النفوذ الشخصي واستغلال المنصب الوظيفي بمزيد من الضوابط والتقنين داخل الجهاز وخارجه على كل ما يتعلّق بالمصير الوظيفي للناس.. بمعنى أنه لابد من أن تعمل على تجفيف المنابع - بلغة الحرب على الإرهاب - التي توفر مناخا صالحا لمشاريع التملّق عمليا.. ولتنسف من الرؤوس المريضة وربما المبتلاة بجنون العظمة ممن تقصر بهم قدراتهم عن الوصول بالطرق الطبيعية والمشروعة.. وهذا جانب بالغ الأهمية في تحرير الوظيفة العامة من المحسوبيات والانتفاعات الشخصية.. وفي التضييق على عشاق ومعشوقي هذا النشاط البغيض على الأقل في مجال العمل الرسمي، الذي ظل مثبطا فاعلا للكثير من الكفاءات الوطنية الجادة في قطاعاتنا العامة، بل عاملا رئيسا أسهم على مدى سنوات في تسرب طوابير من المؤهلين والمتخصّصين الأكفاء ممن استثمرث البلد في تكوينهم مئات الملايين من الريالات بالتدريب والتأهيل داخل وخارج الدولة.. الأسوأ بطبيعة الحال هنا، هو في مناخ التيئيس الذي يغتال هو الآخر الأكثرية الكاثرة ممن يؤثرون السلامة بالبقاء في الوظيفة في انتظار انفراج الأحوال خاصة في زمن عزّت فيه الوظائف وشح فيه أصحاب المبادئ الحقيقيون في الحياة العامة.. صحيح أننا نحتاج لوقت لإنضاج وعي الناس بالحياة المؤسسية المنتجة وشروطها في المجتمع، وصحيح أننا نحتاج لإعلام لديه أجندة مسؤولة لتشكيل واقعنا، ولكن لابد من البدء بالسياسات والآليات التي تضمن فاعليتها وتحويلها لواقع تعيشه الناس في بيئات العمل. والله المستعان.