abu-saqr
04-17-2007, 06:45 PM
إستغلال المنصب (الفساد الإداري والمالي )
أشكاله – أسبابه ودوافعه – آثاره
مكافحته و استراتيجيات الحد من تناميه – معالجته
أولاً - المقدمة :
تزايد الاهتمام بقضية الفساد منذ النصف الثاني من الثمانينات ، نظراً للآثار السلبية للفساد على التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية . وقد ظهرت العديد من الدراسات التي اتخذت من قضية الفساد عنواناً لها ، قدم فيها الباحثون عرضاً لصور الفساد ومظاهره ، وتحليلاً لهذه الظاهرة في محاولة جادة وصادقة من جانبهم لكشف وتعرية هذه الظاهرة والدعوة لمكافحتها والحد من انتشارها ، خاصة وأن الفساد تحول من ظاهرة محلية إلى ظاهرة عالمية تستوجب التعاون الدولي ( حكومات ، برلمانات ، منظمات غير حكومية ، رجال أعمال ، وسائل الإعلام المختلفة ، القطاع الخاص ) لمواجهتها وإبداء قدر أكبر من الاهتمام بإعادة النظر في الترتيبات الحالية لمواجهة الفساد ، ووضع استراتيجيات يتم تحديثها باستمرار لضمان مواجهة المشكلات الناجمة عن كل صور الفساد المعاصرة . ولم تقتصر هذه الجهود على الدول المتقدمة ، وإنما شملت أيضاً الدول النامية التي تعاني اقتصاداتها ومجتمعاتها من تفشي هذه الظاهرة بصورة أكبر مما تعانيه الدول المتقدمة ، حتى أضحى موضوع الفساد يحظى بالأولوية في قائمة اهتمامات الحكومات في الدول النامية .
ويرجع الاهتمام بقضايا الفساد في الدول النامية لعدة أسباب ، من أهمها :
- الكساد واختلال الميزان الاجتماعي بسبب سياسات الإصلاح الهيكلي في غالبية الدول النامية
- ظهور شريحة اجتماعية غنية في العقد المنصرم استفادت من التحولات في السياسات الداخلية للدول النامية والدول التي تمر بمرحلة التحول وانفتاح هذه الدول على العالم ، بعد أن كانت مجتمعات منغلقة .
- انتشار الفساد في الأوساط السياسية ، وخاصة منهم أصحاب المناصب الرفيعة في تلك الدول .
- ظهور قوى معارضة في الدول النامية تدعو إلى مكافحة الفساد وفضح رموزه .
- الاهتمام الدولي المتزايد بهذه الظاهرة وخاصة من قبل المنظمات ومؤسسات التمويل الدولية ، التي تربط تقديم قروضها بتبني الدول المقترضة لسياسات وبرامج محاربة الفساد في مجتمعاتها
وسنحاول في هذا الدراسة إلقاء الضوء على أشكال و أسباب ودوافع الفساد والآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تجذرت في المجتمعات بفعل تفشي هذه الظاهرة ، ثم ننتقل للحديث على الجهود الدولية في مكافحة تفشي هذه الظاهرة و من ثم استراتيجية الحد من تنامية ، و أخيراً نتقدم ببعض المقترحات التي يمكن أن تساعد على الحد من تنامي هذه الظاهرة و التخفيف إلى حد بعيد من حدتها لا نقول تنفيسها أو القضاء عليها ، وسنعرض خلال دراستنا لبعضٍ من آثار الفساد الإداري والسياسي في الدول النامية ومنها العربية كي تكون الصورة واضحة ومكتملة إلى حد ما .
ثانياً _ تعريف الفساد :
الفساد ليس ظاهرة محلية وإنما هو ظاهرة عالمية ولكن يختلف من بلد وآخر ، و أشد أنواع الفساد ضرراً تقع في الدول النامية وخاصة الدول التي تفتقر إلى وجود المنظمات غير الحكومية ، وتلك التي لم تنضج فيها بعد مؤسسات المجتمع المدني ، وتلك التي تكون فيها مثل هذه المؤسسات محظورة ، فهذه المنظمات والمؤسسات تساعد على كشف الآثار السلبية للفساد كما هو الحال في الدول المتقدمة .
والفساد مصطلح له معان عديدة ، وبدء التعامل السليم مع هذه المسألة هو تقسيمها وتحليلها إلى عناصرها الكثيرة . وفي أوسع صورة يمكن القول بأن الفساد هو سوء استخدام المنصب العام لغايات شخصية ، وتتضمن قائمة الفساد على سبيل المثال لا الحصر ، الرشوة ، والابتزاز ، و استغلال النفوذ والمحسوبية ، و الاحتيال ، و الاختلاس ، واستغلال " مال التعجيل " وهو المال الذي يدفع لموظفي الحكومة لتعجيل النظر في أمر خاص يقع ضمن نطاق اختصاصهم بقضاء أمر معين . وعلى الرغم من أن كثير من الناس ينـزعون إلى اعتبار الفساد خطيئة حكومية ، إلا أن الفساد موجود في القطاع الخاص أيضاً ، بل إن القطاع الخاص متورط إلى حد كبير في معظم أشكال الفساد الحكومي " 1 " .
و أحد التعاريف الهامة الأخرى للفساد هو استخدام المنصب العام لتحقيق مكاسب خاصة مثل الرشوة و الابتزاز ، وهما ينطويان بالضرورة على مشاركة طرفين على الأقل ، ويشمل أيضاً أنواعاً أخرى من ارتكاب الأعمال المحظورة التي يستطيع المسؤول العمومي القيام بها بمفرده ومن بينها الاحتيال والاختلاس ، وذلك عندما يقوم السياسيون وكبار المسؤولين بتخصيص الأصول العامة لاستخدام خاص واختلاس الأموال العامة ويكون لذلك آثار معاكسة واضحة ومباشرة على التنمية الاقتصادية لا تحتاج تبعاتها إلى مناقشة ، غير أن الأمر يكون أكثر تعقيداً عندما يتعلق بتقديم الأطراف الخاصة للرشوة إلى المسؤولين العموميين لا سيما تأثيرها على تنمية القطاع الخاص ، ومن المفيد في بحث أشكال الرشوة النظر فيما يمكن للقطاع الخاص أن يحصل عليه من السياسي أو الموظف العام " 2 " :
- العقود الحكومية – الامتيازات التي تمنحها الحكومة – الإيرادات الحكومية – توفير الوقت وتجنب الضوابط التنظيمية – التأثير على نتائج العمليات القانونية والتنظيمية .
والفساد وفقاً لتعريف الأمم المتحدة : هو سوء استعمال السلطة العامة لتحقيق مكسب خاص " 3 " . ويتدرج الفساد من الرشوة إلى عمليات غسيل الأموال وأنشطة الجريمة المنظمة وأنشطة المافيا .
ويعرف البنك الدولي الفساد بأنه استغلال المنصب العام بغرض تحقيق مكاسب شخصية ( 4 ) .
“ The a buse of public offic for private gains “ .
والمنصب العام – كما عرفه القانون الدولي – هو منصب ثقة يتطلب العمل بما يقتضيه الصالح العام.
ثالثاً – أشكال الفساد :
يأخذ الفساد أشكالاً متعددة يأتي في مقدمتها :
1 – استغلال المنصب العام : يلجأ أصحاب المناصب الرفيعة والعليا في الدول النامية إلى استغلال مناصبهم لتحقيق مكاسب مادية ، وهؤلاء يتحولون مع مرور الوقت إلى رجال أعمال أو شركاء في تجارة إلى جانب كونهم مسؤولين حكوميين ، يصرفون جل اهتمامهم إلى البحث عن طرق و أساليب تمكنهم من زيادة حجم ثرواتهم الخاصة ، على حساب الاهتمام ببرامج التنمية وتحقيق قدر من الرفاه الاجتماعي لمواطني دولهم .
2 – الاعتداء على المال العام : غالباً ما يقوم بهذا السلوك الفاسد السياسيون والمسؤولين الحكوميين ، كسحب قروض من البنوك المملوكة للدولة بفوائد منخفضة ، وتسهيل حصول رجال الأعمال من القطاع الخاص على قروض بفوائد منخفضة وبدون ضمانات مقابل حصوله على جزء من القرض على سبيل الرشوة أو العمولة ، و الاستيلاء على بعض الممتلكات العامة عن طريق التزوير في الأوراق الرسمية أو استئجارها لفترة زمنية طويلة بمبالغ زهيدة .
3 – التهرب الضريبي والجمركي : ويقوم بمثل هذا السلوك الفاسد رجال الأعمال من القطاع الخاص ، فهؤلاء يدفعون الرشاوي للمسؤولين الحكوميين بغية حصولهم على تخفيض ضريبي أو إعفاء ضريبي لفترة طويلة نسبياً ، أو تخفيض الرسوم الجمركية أو إعفائهم من دفع الرسوم وفق استثناء أو تلاعب على القوانين ، وفي كثير من الأحيان يقوم هؤلاء المسؤولين الحكوميين بتغير مواصفات السلع المستوردة على الورق لتخفيض حجم الرسوم الجمركية الواجب دفعها لخزينة الدولة مقابل حصولهم على رشاوٍ من المستورد وهذا بحد ذاته احتيال وتزوير وتلاعب على القوانين ونهب للمال العام .
4 – الرشوة المحلية والدولية :هذا النوع من الرشوة يدفع لكبار المسؤولين في الدول النامية ، فالحكومات تقوم بشراء مواد ومستلزمات من السوق المحلية بكميات كبيرة وتطرح عدداً من المشاريع للتنفيذ من قبل القطاع الخاص وذلك عبر مناقصات يتقدم بها القطاع الخاص المحلي ، والتنافس على مثل هذه المناقصات يدفع بالقطاع الخاص لدفع رشوة لبعض المسؤولين الحكوميين للحصول على مثل هذه المناقصات ، ويترتب على مثل هذا السلوك الفاسد للمسؤول الحكومي زيادة في أسعار المواد والسلع الموردة وزيادة في القيمة الإجمالية للمشاريع الاقتصادية والخدمية المتوسطة والكبيرة ، حيث يقوم القطاع الخاص بإضافة الرشاوي والعمولات إلى التكاليف مما يؤدي إلى تحميل الدولة نفقات إضافية تصل إلى 25 % من قيمة العقود والمشاريع .
أما فيما يتعلق بالرشوة الدولية فتدفع لقاء قيام حكومة في دولة من الدول النامية بشراء معدات ومستلزمات وتجهيزات تحتاجها من شركة دون أخرى ( المناقصات الدولية لتنفيذ مشروعات ضخمة ، امتيازات التنقيب عن البترول و الغاز والمعادن ، شراء الطائرات المدنية ، والعتاد العسكري الثقيل والخفيف بما فيها الطائرات الحربية ، مناقصات قطاع الاتصالات ، …. إلخ ) .مما يدفع بالشركات الأجنبية إلى دفع عمولات كبيرة للحصول على المناقصات الخارجية والامتيازات في الدول النامية .
5 – تهريب الأموال : يقوم المسؤولون الحكوميون في الدول النامية بتهريب الأموال التي حصلوا عليها بطرق غير قانونية و غير شرعية إلى مصارف و أسواق المال في الدول الأجنبية و خاصة أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية لاستثمارها على شكل ودائع في بنوك تلك الدول لقاء فوائد مرتفعة ، أو بشراء أسهم في شركات أجنبية ، أو شراء عقارات ، ويبرر هؤلاء المسؤولين هذا السلوك الفاسد بأنه ضرورة تفرضها الأوضاع السياسية المتقلبة باستمرار في الدول النامية ، فهو من وجهة نظرهم تأمين لهم في حال استبعادهم من السلطة مستقبلاً .
6 – وبالإضافة إلى ما ذكرنا يقوم أصحاب المناصب الرفيعة في الدول النامية بتحويل جزء لا يستهان به من المعونات والمساعدات والقروض التي تقدمها الدول الغنية المانحة للمعونات الاقتصادية بهدف تمويل عملية التنمية في تلك الدول إلى حسابات مصرفية خارجية ، بدلاً من إدخالها إلى حسابات البنك المركزي ، وغالباً ما تكون هذه الحسابات بأسماء أبنائهم أو أشخاص تربطهم بالمسؤول الحكومي صلة قرابة أو من المقربين . وهذا الاختلاس هو من أسوأ أنواع الاختلاسات نظراً لضرره المضاعف على اقتصادات الدول النامية .
رابعاً - أسباب الفساد ودوافعه :
الفساد ليس ظاهرة حديثة ، ولا هو مقتصر على البلدان النامية دون المتقدمة ، ومن غير الممكن معرفة مدى انتشار الفساد بشكل دقيق في منطقة ومقارنتها بأخرى ، و إنما يتم ذلك في الغالب بشكل تقريبي ، فمعظم أعمال الفساد تتم بسرية ، ونادراً ما يتم الكشف عن مثل هذه العمليات وخاصة منها تلك التي تتم في الأوساط الرسمية العليا ( فساد القمة – الفساد الكبير ) ، فهذه الأوساط تشكل فيما بينها شبكة تقوم من خلالها بأعمال الفساد وتحيط أعمالها بالسرية التامة ونادراً ما يتم كشفها أو معرفة تفاصيلها .
وتختلف الأسباب التي تؤدي إلى نمو الفساد وانتشاره في البلدان النامية ومنها الدول العربية عنها في الدول المتقدمة ، فالعوامل التي تساعد على نموه في الدول النامية تختلف إلى حد كبير عن العوامل المساعدة على نموه في الدول المتقدمة ، إلا أن طرق ممارسة الفساد متشابهة إلى حد كبير ، وعلاوة على ذلك فإن قدراً كبيراً من الفساد في الدول النامية تشارك فيه الدول الصناعية بصور مختلفة ، فالتنافس بين الشركات متعددة الجنسيات المتمركزة في غالبيتها في الدول المتقدمة على صفقات الأعمال الدولية ، يدفع بهذه الشركات إلى دفع رشاوي ضخمة للمسؤولين الحكوميين في الدول النامية للفوز بهذه الصفقات ، ولم تساهم سياسات التحول نحو الديمقراطية والأخذ بسياسات السوق في التخفيف من نمو هذه الظاهرة بل على العكس من ذلك تماماً ساعدت على نموها ، وذلك يعود برأينا إلى عدم مواكبة أو مصاحبة هذا التحول حدوث تطوير في القوانين المعمول بها في تلك الدول وخاصة منها القوانين التي تمكن المسؤولين الحكوميين / العموميين من الحصول على رشاوي نظير منح الشركات ( من داخل الدولة أو خارجها ) عقود حكومية أو تسهيلات أو امتيازات داخل الدولة ، أو منح استثناءات و امتيازات لأشخاص من الدولة ذاتها .
ويمكن إيجاز أسباب نمو وتفشي ظاهرة الفساد في الدول النامية ومنها العربية بالتالي :
أشكاله – أسبابه ودوافعه – آثاره
مكافحته و استراتيجيات الحد من تناميه – معالجته
أولاً - المقدمة :
تزايد الاهتمام بقضية الفساد منذ النصف الثاني من الثمانينات ، نظراً للآثار السلبية للفساد على التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية . وقد ظهرت العديد من الدراسات التي اتخذت من قضية الفساد عنواناً لها ، قدم فيها الباحثون عرضاً لصور الفساد ومظاهره ، وتحليلاً لهذه الظاهرة في محاولة جادة وصادقة من جانبهم لكشف وتعرية هذه الظاهرة والدعوة لمكافحتها والحد من انتشارها ، خاصة وأن الفساد تحول من ظاهرة محلية إلى ظاهرة عالمية تستوجب التعاون الدولي ( حكومات ، برلمانات ، منظمات غير حكومية ، رجال أعمال ، وسائل الإعلام المختلفة ، القطاع الخاص ) لمواجهتها وإبداء قدر أكبر من الاهتمام بإعادة النظر في الترتيبات الحالية لمواجهة الفساد ، ووضع استراتيجيات يتم تحديثها باستمرار لضمان مواجهة المشكلات الناجمة عن كل صور الفساد المعاصرة . ولم تقتصر هذه الجهود على الدول المتقدمة ، وإنما شملت أيضاً الدول النامية التي تعاني اقتصاداتها ومجتمعاتها من تفشي هذه الظاهرة بصورة أكبر مما تعانيه الدول المتقدمة ، حتى أضحى موضوع الفساد يحظى بالأولوية في قائمة اهتمامات الحكومات في الدول النامية .
ويرجع الاهتمام بقضايا الفساد في الدول النامية لعدة أسباب ، من أهمها :
- الكساد واختلال الميزان الاجتماعي بسبب سياسات الإصلاح الهيكلي في غالبية الدول النامية
- ظهور شريحة اجتماعية غنية في العقد المنصرم استفادت من التحولات في السياسات الداخلية للدول النامية والدول التي تمر بمرحلة التحول وانفتاح هذه الدول على العالم ، بعد أن كانت مجتمعات منغلقة .
- انتشار الفساد في الأوساط السياسية ، وخاصة منهم أصحاب المناصب الرفيعة في تلك الدول .
- ظهور قوى معارضة في الدول النامية تدعو إلى مكافحة الفساد وفضح رموزه .
- الاهتمام الدولي المتزايد بهذه الظاهرة وخاصة من قبل المنظمات ومؤسسات التمويل الدولية ، التي تربط تقديم قروضها بتبني الدول المقترضة لسياسات وبرامج محاربة الفساد في مجتمعاتها
وسنحاول في هذا الدراسة إلقاء الضوء على أشكال و أسباب ودوافع الفساد والآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تجذرت في المجتمعات بفعل تفشي هذه الظاهرة ، ثم ننتقل للحديث على الجهود الدولية في مكافحة تفشي هذه الظاهرة و من ثم استراتيجية الحد من تنامية ، و أخيراً نتقدم ببعض المقترحات التي يمكن أن تساعد على الحد من تنامي هذه الظاهرة و التخفيف إلى حد بعيد من حدتها لا نقول تنفيسها أو القضاء عليها ، وسنعرض خلال دراستنا لبعضٍ من آثار الفساد الإداري والسياسي في الدول النامية ومنها العربية كي تكون الصورة واضحة ومكتملة إلى حد ما .
ثانياً _ تعريف الفساد :
الفساد ليس ظاهرة محلية وإنما هو ظاهرة عالمية ولكن يختلف من بلد وآخر ، و أشد أنواع الفساد ضرراً تقع في الدول النامية وخاصة الدول التي تفتقر إلى وجود المنظمات غير الحكومية ، وتلك التي لم تنضج فيها بعد مؤسسات المجتمع المدني ، وتلك التي تكون فيها مثل هذه المؤسسات محظورة ، فهذه المنظمات والمؤسسات تساعد على كشف الآثار السلبية للفساد كما هو الحال في الدول المتقدمة .
والفساد مصطلح له معان عديدة ، وبدء التعامل السليم مع هذه المسألة هو تقسيمها وتحليلها إلى عناصرها الكثيرة . وفي أوسع صورة يمكن القول بأن الفساد هو سوء استخدام المنصب العام لغايات شخصية ، وتتضمن قائمة الفساد على سبيل المثال لا الحصر ، الرشوة ، والابتزاز ، و استغلال النفوذ والمحسوبية ، و الاحتيال ، و الاختلاس ، واستغلال " مال التعجيل " وهو المال الذي يدفع لموظفي الحكومة لتعجيل النظر في أمر خاص يقع ضمن نطاق اختصاصهم بقضاء أمر معين . وعلى الرغم من أن كثير من الناس ينـزعون إلى اعتبار الفساد خطيئة حكومية ، إلا أن الفساد موجود في القطاع الخاص أيضاً ، بل إن القطاع الخاص متورط إلى حد كبير في معظم أشكال الفساد الحكومي " 1 " .
و أحد التعاريف الهامة الأخرى للفساد هو استخدام المنصب العام لتحقيق مكاسب خاصة مثل الرشوة و الابتزاز ، وهما ينطويان بالضرورة على مشاركة طرفين على الأقل ، ويشمل أيضاً أنواعاً أخرى من ارتكاب الأعمال المحظورة التي يستطيع المسؤول العمومي القيام بها بمفرده ومن بينها الاحتيال والاختلاس ، وذلك عندما يقوم السياسيون وكبار المسؤولين بتخصيص الأصول العامة لاستخدام خاص واختلاس الأموال العامة ويكون لذلك آثار معاكسة واضحة ومباشرة على التنمية الاقتصادية لا تحتاج تبعاتها إلى مناقشة ، غير أن الأمر يكون أكثر تعقيداً عندما يتعلق بتقديم الأطراف الخاصة للرشوة إلى المسؤولين العموميين لا سيما تأثيرها على تنمية القطاع الخاص ، ومن المفيد في بحث أشكال الرشوة النظر فيما يمكن للقطاع الخاص أن يحصل عليه من السياسي أو الموظف العام " 2 " :
- العقود الحكومية – الامتيازات التي تمنحها الحكومة – الإيرادات الحكومية – توفير الوقت وتجنب الضوابط التنظيمية – التأثير على نتائج العمليات القانونية والتنظيمية .
والفساد وفقاً لتعريف الأمم المتحدة : هو سوء استعمال السلطة العامة لتحقيق مكسب خاص " 3 " . ويتدرج الفساد من الرشوة إلى عمليات غسيل الأموال وأنشطة الجريمة المنظمة وأنشطة المافيا .
ويعرف البنك الدولي الفساد بأنه استغلال المنصب العام بغرض تحقيق مكاسب شخصية ( 4 ) .
“ The a buse of public offic for private gains “ .
والمنصب العام – كما عرفه القانون الدولي – هو منصب ثقة يتطلب العمل بما يقتضيه الصالح العام.
ثالثاً – أشكال الفساد :
يأخذ الفساد أشكالاً متعددة يأتي في مقدمتها :
1 – استغلال المنصب العام : يلجأ أصحاب المناصب الرفيعة والعليا في الدول النامية إلى استغلال مناصبهم لتحقيق مكاسب مادية ، وهؤلاء يتحولون مع مرور الوقت إلى رجال أعمال أو شركاء في تجارة إلى جانب كونهم مسؤولين حكوميين ، يصرفون جل اهتمامهم إلى البحث عن طرق و أساليب تمكنهم من زيادة حجم ثرواتهم الخاصة ، على حساب الاهتمام ببرامج التنمية وتحقيق قدر من الرفاه الاجتماعي لمواطني دولهم .
2 – الاعتداء على المال العام : غالباً ما يقوم بهذا السلوك الفاسد السياسيون والمسؤولين الحكوميين ، كسحب قروض من البنوك المملوكة للدولة بفوائد منخفضة ، وتسهيل حصول رجال الأعمال من القطاع الخاص على قروض بفوائد منخفضة وبدون ضمانات مقابل حصوله على جزء من القرض على سبيل الرشوة أو العمولة ، و الاستيلاء على بعض الممتلكات العامة عن طريق التزوير في الأوراق الرسمية أو استئجارها لفترة زمنية طويلة بمبالغ زهيدة .
3 – التهرب الضريبي والجمركي : ويقوم بمثل هذا السلوك الفاسد رجال الأعمال من القطاع الخاص ، فهؤلاء يدفعون الرشاوي للمسؤولين الحكوميين بغية حصولهم على تخفيض ضريبي أو إعفاء ضريبي لفترة طويلة نسبياً ، أو تخفيض الرسوم الجمركية أو إعفائهم من دفع الرسوم وفق استثناء أو تلاعب على القوانين ، وفي كثير من الأحيان يقوم هؤلاء المسؤولين الحكوميين بتغير مواصفات السلع المستوردة على الورق لتخفيض حجم الرسوم الجمركية الواجب دفعها لخزينة الدولة مقابل حصولهم على رشاوٍ من المستورد وهذا بحد ذاته احتيال وتزوير وتلاعب على القوانين ونهب للمال العام .
4 – الرشوة المحلية والدولية :هذا النوع من الرشوة يدفع لكبار المسؤولين في الدول النامية ، فالحكومات تقوم بشراء مواد ومستلزمات من السوق المحلية بكميات كبيرة وتطرح عدداً من المشاريع للتنفيذ من قبل القطاع الخاص وذلك عبر مناقصات يتقدم بها القطاع الخاص المحلي ، والتنافس على مثل هذه المناقصات يدفع بالقطاع الخاص لدفع رشوة لبعض المسؤولين الحكوميين للحصول على مثل هذه المناقصات ، ويترتب على مثل هذا السلوك الفاسد للمسؤول الحكومي زيادة في أسعار المواد والسلع الموردة وزيادة في القيمة الإجمالية للمشاريع الاقتصادية والخدمية المتوسطة والكبيرة ، حيث يقوم القطاع الخاص بإضافة الرشاوي والعمولات إلى التكاليف مما يؤدي إلى تحميل الدولة نفقات إضافية تصل إلى 25 % من قيمة العقود والمشاريع .
أما فيما يتعلق بالرشوة الدولية فتدفع لقاء قيام حكومة في دولة من الدول النامية بشراء معدات ومستلزمات وتجهيزات تحتاجها من شركة دون أخرى ( المناقصات الدولية لتنفيذ مشروعات ضخمة ، امتيازات التنقيب عن البترول و الغاز والمعادن ، شراء الطائرات المدنية ، والعتاد العسكري الثقيل والخفيف بما فيها الطائرات الحربية ، مناقصات قطاع الاتصالات ، …. إلخ ) .مما يدفع بالشركات الأجنبية إلى دفع عمولات كبيرة للحصول على المناقصات الخارجية والامتيازات في الدول النامية .
5 – تهريب الأموال : يقوم المسؤولون الحكوميون في الدول النامية بتهريب الأموال التي حصلوا عليها بطرق غير قانونية و غير شرعية إلى مصارف و أسواق المال في الدول الأجنبية و خاصة أوروبا و الولايات المتحدة الأمريكية لاستثمارها على شكل ودائع في بنوك تلك الدول لقاء فوائد مرتفعة ، أو بشراء أسهم في شركات أجنبية ، أو شراء عقارات ، ويبرر هؤلاء المسؤولين هذا السلوك الفاسد بأنه ضرورة تفرضها الأوضاع السياسية المتقلبة باستمرار في الدول النامية ، فهو من وجهة نظرهم تأمين لهم في حال استبعادهم من السلطة مستقبلاً .
6 – وبالإضافة إلى ما ذكرنا يقوم أصحاب المناصب الرفيعة في الدول النامية بتحويل جزء لا يستهان به من المعونات والمساعدات والقروض التي تقدمها الدول الغنية المانحة للمعونات الاقتصادية بهدف تمويل عملية التنمية في تلك الدول إلى حسابات مصرفية خارجية ، بدلاً من إدخالها إلى حسابات البنك المركزي ، وغالباً ما تكون هذه الحسابات بأسماء أبنائهم أو أشخاص تربطهم بالمسؤول الحكومي صلة قرابة أو من المقربين . وهذا الاختلاس هو من أسوأ أنواع الاختلاسات نظراً لضرره المضاعف على اقتصادات الدول النامية .
رابعاً - أسباب الفساد ودوافعه :
الفساد ليس ظاهرة حديثة ، ولا هو مقتصر على البلدان النامية دون المتقدمة ، ومن غير الممكن معرفة مدى انتشار الفساد بشكل دقيق في منطقة ومقارنتها بأخرى ، و إنما يتم ذلك في الغالب بشكل تقريبي ، فمعظم أعمال الفساد تتم بسرية ، ونادراً ما يتم الكشف عن مثل هذه العمليات وخاصة منها تلك التي تتم في الأوساط الرسمية العليا ( فساد القمة – الفساد الكبير ) ، فهذه الأوساط تشكل فيما بينها شبكة تقوم من خلالها بأعمال الفساد وتحيط أعمالها بالسرية التامة ونادراً ما يتم كشفها أو معرفة تفاصيلها .
وتختلف الأسباب التي تؤدي إلى نمو الفساد وانتشاره في البلدان النامية ومنها الدول العربية عنها في الدول المتقدمة ، فالعوامل التي تساعد على نموه في الدول النامية تختلف إلى حد كبير عن العوامل المساعدة على نموه في الدول المتقدمة ، إلا أن طرق ممارسة الفساد متشابهة إلى حد كبير ، وعلاوة على ذلك فإن قدراً كبيراً من الفساد في الدول النامية تشارك فيه الدول الصناعية بصور مختلفة ، فالتنافس بين الشركات متعددة الجنسيات المتمركزة في غالبيتها في الدول المتقدمة على صفقات الأعمال الدولية ، يدفع بهذه الشركات إلى دفع رشاوي ضخمة للمسؤولين الحكوميين في الدول النامية للفوز بهذه الصفقات ، ولم تساهم سياسات التحول نحو الديمقراطية والأخذ بسياسات السوق في التخفيف من نمو هذه الظاهرة بل على العكس من ذلك تماماً ساعدت على نموها ، وذلك يعود برأينا إلى عدم مواكبة أو مصاحبة هذا التحول حدوث تطوير في القوانين المعمول بها في تلك الدول وخاصة منها القوانين التي تمكن المسؤولين الحكوميين / العموميين من الحصول على رشاوي نظير منح الشركات ( من داخل الدولة أو خارجها ) عقود حكومية أو تسهيلات أو امتيازات داخل الدولة ، أو منح استثناءات و امتيازات لأشخاص من الدولة ذاتها .
ويمكن إيجاز أسباب نمو وتفشي ظاهرة الفساد في الدول النامية ومنها العربية بالتالي :